الشيخ محمد هادي الطهراني النجفي
209
محجة العلماء في الأدلة العقلية
وهذه للفقه رأسا لما اعترف به من كثرة الاختلاف وعدم تحقق الاجماع الّا في قليل من المسائل فلو اعرض في كل مسئلة خلافيّة عن الحكم ورجع إلى الأصل توجه اليه ما أورده على المرتضى قده من أنه يلزمه ان يترك أكثر الاخبار وأكثر الاحكام ولا يحكم فيها بشيء ورد الشرع بها وهذا حدّ يرغب أهل العلم عنه ومن صار اليه لا يحسن مكالمته لأنه يكون معوّلا على ما يعلم ضرورة من الشرع خلافه وبالجملة مقتضى ما اعتبره الشيخ قده من ارتفاع النزاع فيما بين الطائفة في العمل بالرّواية رفع اليد عن الاحكام في جميع موارد الخلاف بخلاف من يعتبر الاطمينان هذا ما صنعه اوّلا وخالف به شيخه المفيد والمرتضى نور اللّه ضريحهما ولم يعتمد بما قالاه ونبّهناه عليه من أنه خلاف ضرورة المذهب وانه من طريقة المخالفين بل أكثر من الطعن والتعريض عليهما بما لا يصدر عن مخالف لهما في المذهب بالنسبة اليهما لجلالة قدرهما في العلم والتقوى بما لا يسع أحدا التأمل فيه وان كان من أهل الخلاف ثم لما عجز عن اثباته وضاق عليه الامر اتعب نفسه وتكلّف بما تقدم منه ممّا نبّهناك عليه إلى أن رفع اليد عن اعتبار الايمان وصرح بدوران الامر مدار الوثوق والاطمينان ثمّ لمّا ضاق عليه الامر في العدالة صرّح بان الفسق بالجوارح أيضا لا يمنع من قبول الرواية وانه فرق بين العدالة المعتبرة في الراوي وبين ما يعتبر في الشاهد مع انّك تعلم أنه صرّح فيما تقدم بان العدالة المعتبرة في الرّاوى انما هو ما لا يجامع فساد العقيدة بل لمّا عظم الخطب ولم يستطع ان ينقح دليله الذي هو الاجماع العملي لاجماله وكونه ذا وجوه رفع اليد عن الدعوى وقنع بان يسلم له خصمه بان العامل بالخبر الواحد وان كان عاصيا مرتكبا للكبيرة الّا انه معفو عنه هذا ما انتهى امره اليه في مخالفة شيخه بل جميع العلماء ومن المعلوم ان الحجيّة وعدمها لا تعلق لهما بالاحكام التكليفيّة فليس مقصودنا من عدم اعتبار الخبر الواحد ان العمل به حرام وقد بيّنا في تأسيس الأصل وحقّقنا حقيقة الحجيّة وكون الشيء دليلا ووسطا في الاثبات فلا داعى إلى ما ادّعاه من أنه لو لم يكن الخبر الواحد حجّة لوجب تفسيق العامل به وتضليله كي يلتجأ إلى ما التجاء به وقد عرفت انه على تقدير كونه تكليفا فالخطأ لا يترتّب عليه شيء من التفسيق والعقاب وكيف كان فكون الحجيّة امرا وراء العفو عن العصيان ممّا لا يتوقف إدراكه على كون الشخص من أهل العلم والعرفان فكيف يخفى على شيخ الطائفة الذي بنيان أفكاره الثاقبة تنحل العويصات فهذا من أقوى الأدلة على أن هذا المبحث جلّه أو كله ليس من كتابه ولكن كلامه في الاستبصار أيضا يوافق هذا الكلام وهذا مما يورث الحيرة والعجب وسنذكر ما في الاستبصار بعد الفراغ عما في العدّة قال بعد ما حكيناه عنه في ذكر القرائن المنتهى إلى قوله فمتى تجرد الخبر عن واحد من هذه القرائن كان خبرا واحدا محضا ثم ينظر فيه فإن كان ما تضمّنه هذا الخبر هناك ما يدل على خلاف ما تضمّنه من كتاب أو سنة أو اجماع وجب اطراحه والعمل بما دل الدليل عليه وان كان ما تضمّنه ليس هناك ما يدل على العمل بخلافه ولا يعرف فتوى الطائفة فيه ينظر فإن كان هناك خبر آخر يعارضه مما يجرى مجراه وجب ترجيح أحدهما على الآخر وسنبيّن من بعد ما يترجّح به الاخبار بعضها على بعض وان لم يكن هناك خبر آخر يخالفه وجب العمل به لان ذلك اجماع منهم على نقله وإذا اجمعوا على نقله وليس هناك دليل على العمل بخلافه فينبغي ان يكون العمل به مقطوعا عليه وكذلك ان وجد هناك فتاوى مختلفة بين من الطائفة وليس القول المخالف له مستندا إلى خبر آخر ولا